رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
116
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
التثليث المشتهر ، « 1 » المستفيض ، المتّفق عليه بين الخاصّة والعامّة ، المتضمّن لإثبات الإبهام في بعض الأحكام ، وأنّ الأمور ثلاثة : بيّنٌ رشده ، وبيِّنٌ غيّه ، وأمرٌ مشكل يردّ حكمه إلى اللَّه ورسوله ؟ وهلّا سوّغوا أنّ في إبهام بعض الأحكام حِكَماً ومصالحَ ، مع أنّ من تلك الحِكم ما يمكن أن يتعرّف ، ولعلّ ما لا يعرف منها يكون أكثر ، على أنّ الاجتهاد لا يغني من ذلك ؛ لبقاء الشبهات بعده إن لم تزد به . « 2 » انتهى ما أردنا نقله من الوافي . وأنا أقول : من أعظم الحِكم في إبهام بعض الأحكام أن يعلم الناس شدّة الاحتياج إلى وليّ الأمر وصاحب العصر ، فيتضرّعوا إلى اللَّه تعالى أن يعجّل الفرج بظهوره ، ويقشع غمائم الشبهات بنوره ؛ وذلك لأنّ اعتقاد أهل الحقّ أنّه ما من شيء ممّا يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة إلّاوللَّه تعالى فيه حكم حتّى أرش الخدش ، والجميع مستودع محفوظ عند أهل الذِّكر عليهم السلام ، وامِرَ الناس أن يسألوهم عنها ، وكلّ شبهة ولبس عرض فهو من جهة غيبة وليّ الأمر الناشئة من الامّة ، كغيبة نبيّنا صلى الله عليه وآله زماناً في الغار ، مع أنّ اللَّه تعالى بعثه رسولًا ليبيّن للناس ما يحتاجون في أمر الدِّين ، ولا ضير في احتياج الناس وعدم تمكّنهم من الوصول إلى مَن ارسل إليهم لبيان ما يحتاجون ، ولم يكن للناس على اللَّه حجّة بأنّه تركهم سُدى مهملين في مدّة الغيبة ؛ إذ لم يمكنهم الانتفاع بالذي بعثه إليهم ، وهذه الغيبة وعدم حجّة المبعوث إليهم على اللَّه في مدّتها أمرٌ بيّن الوقوع لا يستطيع أحد إنكاره ، وإذا جاز ذلك في يومين وثلاثة ولا ينافي الحكمة ، جاز في سنة وألف سنة كما لا يخفى على اولي النّهى ، فلا يستبعد استيداع اللَّه تعالى الأحكام المحتاج إليها وليَّه ، ووقعت غيبته من جهة أهل الطغيان مدّةً حسبَ ما في الحكمة ، وكون الناس في تلك المدّة في الحيرة ؛ إذ كان ذلك رحمةً للمؤمنين ، حيث ينتظرون ما وعد اللَّه لهم بقوله : « وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ » « 3 » وبقوله : « فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » إلى قوله سبحانه :
--> ( 1 ) . في المصدر : « المشهور » . ( 2 ) . الوافي ، ج 1 ، ص 13 - 17 . ( 3 ) . القصص ( 28 ) : 5 .